اسماعيل بن محمد القونوي
208
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( يكثركم من الذرء وهو البث وفي معناه الذر والذرو ) من الذرء وهو البث وهو الانتشار فيلزمه الكثرة فتفسيره تفسير باللازم وهذا من المهموز والذرو من المضاعف والذرو في آخره واو منقوص وقد فسر بيخلقكم أيضا ولم يلتفت إليه إذ في الأول مبالغة وأيضا يوافق قوله تعالى : وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] والضمير على الأول للناس والأنعام على تغليب المخاطبين العقلاء . قوله : ( في هذا التدبير ) أي مرجع الضمير الجعل المذكور فسره أولا بهذا التدبير رعاية بتذكير الضمير وإفراده فالتدبير هنا من صفات الفعل وكذا في سائر المواضع التي يسند فيها إليه تعالى . قوله : ( وهو جعل الناس والأنعام أزواجا يكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير ) فإنه أي الجعل المذكور كالمنبع الخ وفي جعله ظرفا له مبالغة أشار إليه بقوله كالمنبع وهو محل نبوع الماء وظهوره قوله كالمنبع يشعر بأن مدخول في فيه استعارة مكنية ولفظة في قرينة تخييلية وهذا مسلك البعض وعند البعض لفظة في استعارة تبعية قوله : يكون بينهم توالد فيه إشارة إلى أن قوله تعالى : يَذْرَؤُكُمْ [ الشورى : 11 ] فيه تغليب العقلاء على غيرهم وتغليب المخاطب على الغائب ففيه تغليبان كما نقل عن شراح الكشاف انتهى قوله يكون بينهم توالد ففيه تغليبان أيضا لكن تغليب الغائب على المخاطب وهو غير مشهور وتغليب العقلاء على غيرهم وفيه إشارة إلى ترجيح التفسير « 1 » الأول للأزواج كما أشار إليه بالتقديم وقد بينا وجهه . قوله : ( أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه ) ولعل إطلاق الكلام عن هذا القيد أولى والاعتذار بأنه قيده بقرينة ما قبله ليرتبط به ضعيف إذ الارتباط يحصل بنفي المماثلة من كل وجه لدخول ما ذكره تحته دخولا أوليا فالمعنى ليس مثله شيء في شأن من الشؤون التي من جملتها هذا التدبير البديع . قوله : ( والمراد من مثله ذاته كما في قولهم ومثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه يسد مسده كان نفيه عنه أولى ) والمراد من مثله ذاته فتكون قوله : وفي معناه الذر والذر والذرء مهموز كالخبء والذرو ناقص كالغزو والذر مضاعف كالدر قال الراغب الذرية أصلها الصغار من الأولاد وإن كانت قد يقع على الصغار والكبار معا في التعارف ويستعمل في الواحد والجماعة وأصله الجمع قال اللّه تعالى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [ آل عمران : 34 ] وقال تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : 3 ] وفيها ثلاثة أقوال قيل هو من ذرأ اللّه الخلق فترك همزته كروبة وبرية وقيل ذروية وقيل هو فعلية من الذر . قوله : فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى يعني لما أريد نفي مثله تعالى
--> ( 1 ) وفي الحاشية السعدية إشارة إلى ترجيح التفسير الأول والثالث من وجوه تفسير ومن الأنعام أزواجا فإن الدلالة على التوالد فيهما وفيه نظر لأن الزوجية المشعرة بالقربان لم تغير .